قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
432
الخراج وصناعة الكتابة
الباب الخامس في السبب الذي احتاج له الناس إلى المدن والاجتماع فيها لما كانت ما قلنا أفعال النفس « 1 » المميزة ، وتصاريفها كثيرة مختلفة ، وحاجات الانسان بسببها وبسبب والجسم الذي لم يكن النفس في هذا العالم بد منه ، واسعة منتشرة ، وتبعت هذه الأحوال الصناعات والمهن فصارت على حسبها في الكثرة ولم يكن في وسع انسان واحد ، استيعاب جميع الصناعات الكثيرة المتفرقة ، وكان لابد للناس من جميعها ضرورة قادتهم الحاجة إلى الترافد ، واستعانة بعضهم ببعض ليكمل باجتماع جميعهم ما لم يكن بد ضرورة منه ، لان هذا يبذر لهذا قمحا يتقوته وهذا يعمل لهذا ثوبا يلبسه ، وهذا يصنع لهذا بيتا يكنه ونشره ، وهذا ينجز لهذا بابا يغلقه على بيته ، وهذا يخزر لهذا خفا يمنع به الآفات عن رجله ، وغير ذلك ، مما لا يكاد العدد يدركه من فنون الصناعات وضروب الحاجات ، لأنه لم يكن في استطاعة انسان واحد أن يكون فلاحا ، نساجا ، بناء ، نجارا ، أسكافا ، ولو أنه كان محسنا لهذه الصناعات كلها ، لم يف وحده بما يحسنه منها ثم يجوز بعد هذا كله ، ان تأتى صناعات لا يتأتى للواحد من الناس النفاذ في جميعها كالطب والفلاحة مثلا فإنه لم يكن يتأتى لانسان واحد ، أن يأخذ السبيل فيقلب الأرض قلبا دائما ، وهذه الحال محتاجه إلى الغلظة والجسارة ، فان الفلاح ان لم يكن غليظا ،
--> ( 1 ) في نسخة ت : أعمال الناس وهو خطأ ، وفي نسخة س : أفعال الناس .